قبل ثلاثة أعوام، بتاريخ 6-7-2022 نشرت على صفحات الأخبار مقالة عنوانها: “الآداب والإنسانيّات: فرعٌ إلى زوال” تناولت فيه جانبًا من مشكلات التربية في لبنان مركّزًا في الكلام على فرع الآداب والإنسانيّات والخطر المحدق به في حال استمرار السياسات التربويّة الكارثيّة، وهي -والحمد لله- استمرّت بزخم متصاعد، فوجدت من واجبي التذكير بما تحدثت عنه يومها، مضيفًا إليه مزيدًا من الشجون، لعلّ سامعًا يسمع، أو حريصًا يبادر…

قلت يومها إنّ المتقدّمين إلى هذا الفرع المظلوم يتناقصون باستمرار في حين تتزايد أعداد المتقدّمين إلى بقيّة الفروع، فمن 5199 متعلّمًا في عام 2004، إلى نصفهم تقريبًا في عام 2009، واليوم لم يتجاوز عدد المتقدّمين في الآداب والإنسانيّات 500 متعلّم في لبنان! ومن الواضح أنّنا نحتاج سنة أو اثنتين حتّى نشيّع رسميًّا هذا الفرع.

لن أعيد الحديث عن الأسباب الكثيرة الكامنة خلف هذا التردّي، كما لن أعيد الحديث عن مشكلات التربية عمومًا والامتحانات الرسميّة وآليّات التقييم المعتمدة خصوصًا (واللجان المختارة بعناية طبعًا!)، التي تفضي إلى نتائج مقنّعة غالبًا، كما لن أتحدّث عن المناهج المعتمدة بعلّاتها منذ 25 عامًا فالمركز التربويّ مشكورًا يعمل على تطوير هذه المناهج برجاء أن تبصر النور قريبًا.

سأركّز في مشكلة غياب التوجيه، وانكفاء الوزارة عن واجبها… ومسؤوليّة الطاقم الإداريّ والتعليميّ في كلّ ذلك.

يأتي المتعلّم ليسجّل في صفّ الثانويّة العامّة، مجتازًا الصفّ الثاني الثانويّ – فرع العلوم، فتفتح له الفروع الأربعة (العلوم العامّة، علوم الحياة، الاجتماع والاقتصاد، والآداب والإنسانيّات) مع بعض الضوابط المرتبطة بأداء المتعلّم وعلاماته، والتوجّه يكون عادة نحو أحد فرعي العلوم وإن لم يوفّق فصدر الاجتماع والاقتصاد رحب دومًا. في حين يسمح للمتعلّم الّذي تجاوز الصفّ الثاني الثانويّ – فرع الإنسانيّات بفرع الاقتصاد في حال كانت علاماته في الرياضيّات جيّدة، وإلا -وهذا الغالب- فيفتح له إلزامًا باب واحد: الآداب والإنسانيّات!

يبدأ النحيب! لا أحد -إلا ما ندر- يرغب بالانتساب إلى فرع الآداب والإنسانيّات! لماذا؟

لأسباب كثيرة، منها: إنّه اختصاص الفاشلين! إنّه اختصاص يخجل منه المتعلّمون وأهلوهم، إنّه اختصاص يتطلّب الحفظ!

هذا أبرز ما نسمعه وندركه ونحن نشرح للمتعلّمين ميزات كلّ فرع ومجالات العمل فيه… لنبدأ بالسبب الأوّل: اختصاص الفاشلين! المسؤول مباشرة عن هذا السبب هي الثانويّات خاصّة ورسميّة… ومن خلفهما الوزارة. فالإدارات تعتمد هذا التصنيف: كلّما ارتفع معدّل النجاح في الصفوف السابقة، أتيح للمتعلّم الأعلى فالأعلى (وهم التصنيف: راجع المقالة المشار إليها آنفًا)، ولا يبقى للمتعلّم صاحب المعدّلات المتدنيّة في الثانويّة العامّة سوى الآداب والإنسانيّات، فيدخلها مرغمًا إذا قرّر متابعة التحصيل الدراسيّ. أمّا الوزارة فليست لها سياسة واضحة في هذا المجال، ولو كانت لها سياسة فهي ليست ملزمة والدّليل الأمر الواقع!

وأمّا أنّه اختصاص يخجل منه المتعلّمون، فلأنّه، بالإضافة إلى ما تقدّم من سمعة هذا الفرع، اختصاص لا سوق عمل له، ومآل صاحبه نحو التعليم على الأغلب! (هل نتحدّث عن مهنة التعليم؟)، والمسؤول عن هذه المشكلة مرّة أخرى الوزارة وأهلها وأجهزتها الإداريّة والتربويّة، ومن خلفها المجتمع كلّه!

وعلى الرغم من كلّ الأوهام المتعلّقة باختصاصات الآداب والعلوم الإنسانيّة، ومزاعم عدم حاجة سوق العمل إلى خرّيجيها، فإنّ المعطيات العالميّة اليوم تؤكّد غير ذلك، بل تشير إلى حاجة السوق المتزايدة إلى الكفايات التي ينتجها هذا الفرع المظلوم. فالمنتدى الاقتصاديّ العالميّ World Economic Forum، يضع مهارات التفكير النقديّ، والذكاء العاطفيّ، وحلّ المشكلات، في صدارة المهارات الأكثر طلبًا حتى عام 2035. وسوق العمل العالميّ يسير في هذا الاتّجاه فعليًّا، ويطلب من خرّيجي الفلسفة والآداب وعلم النفس واللغات أن يشاركوا في تصميم مستقبل الذكاء الاصطناعيّ، وفي صياغة الخطاب الثقافيّ، وفي بناء السياسات الإعلاميّة والتعليمية الجديدة. تشير الأرقام إلى أنّ الطلب على وظائف من مثل الكتابة المهنيّة والإبداعيّة، والتحليل السلوكيّ، وتصميم المحتوى بأنواعه الكثيرة، وتعليم المهارات الفكريّة والمعرفيّة، يشهد نموًّا سنويًّا ثابتًا يتراوح بين 10 و30 % عالميًّا، فيما تستحدث الجامعات الكبرى تخصّصات جديدة تدمج بين العلوم الإنسانية والتقنية.

يعمل كاتب هذه السّطور في مجال بناء المناهج والتأليف التربويّ، والكتابة الإعلاميّة، ونبحث دائمًا عن أكفاء يعملون فنجدهم غالبًا بعد عسر كبير، بعيدًا من حملة شهادات الاختصاص، من الهواة والموهوبين! وفي ما يأتي، ومن باب التذكير، أورد مجموعة من التخصّصات الجامعيّة الّتي تتيح عملًا مطلوبًا للمتخصّصين في العلوم الإنسانيّة:

من البديهيّ أن يقال هنا إنّ هذه التخصّصات تتطلّب مهارات عالية من المتعلّم، والمناهج وطرائق التعليم الحاليّة لا تتيحها! نعم هذا صحيح، ويزيد من المشكلة عقليّة شريحة كبيرة من الطاقم التعليميّ الّتي لم تتجاوز صورة التعليم التلقينيّ، ولم تطوّر مهارات التعليم أو تتابع ما يستجدّ من تطوّر هائل في العالم… المشكلة ترجع مرّة أخرى إلى الوزارة، فلا هي تختار المعلّمين بطريقة صحيحة، ولا هي تعمل على تطوير كفاءات المعلّمين (هل نتحدّث عن دورات التطوير التي يحتاج مدرّبوها إلى دورات تطوير؟).

أمّا أنّ هذا الفرع يتطلّب الحفظ فهنا داهية الدواهي! وكأنّ كلّ الكفايات التعليميّة التعلّميّة القائمة على التفكير الناقد، والمنطقيّ، ومنهجيّة البحث العلميّ، والاستدلال إلخ… ليست من العلوم الإنسانيّة في شيء! والمصيبة تشمل معظم الموادّ، ولكنّها تبرز في أكثر الموادّ الّتي تتطلّب إعمال العقل والتفكير المنطقيّ: الفلسفة! هذه المادّة الرائعة تقدّم للمتعلّمين -غالبًا- على أنّها محفوظات على المتعلّم أن يخزّنها في ذاكرته ليسكبها على ورقة الإجابة في الامتحان، ثمّ لا يفهم منها شيئًا ولا يفيد من حافزيّتها التفكيريّة والمعرفيّة النقديّة شيئًا! وماذا نقول عن دروس والتاريخ والجغرافيا؟ أمّا اللغة والأدب فحدّث ولا حرج! من مادّة تصقل عقل المتعلّم، تزرع فيه القيم والجمال، تفتح آفاقه على الحياة، تطلق مواهبه وتحفّز ملكات الإبداع لديه، (ولكلّ متعلّم قدرات إبداعيّة في جانب على الأقلّ) إلى مادّة مملّة (من دون تعميم) لا ترتبط بحياة المتعلّمين واهتماماتهم، وهي للحقّ -لو جرت مقاربتها بكفاءة تليق بها- حياة المتعلّمين ومسرح سعادتهم!

فهل فكّرتم في معنى أن يختفي فرع الآداب والإنسانيّات من التعليم ما قبل الجامعيّ؟

وهل من حلول؟ دائمًا ثمّة حلول، لو توافرت الإرادة، وقبلها المعرفة، وقبلهما المسؤوليّة! هيذي الحلول كامنة في قلب المشكلة! أدركوا فرع الآداب والإنسانيّات.

اكتشاف المزيد من موقع محمّد ماجد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة