في الخامس من كانون الأوّل 2022 نشرت مقالة على صفحات النّهار عنوانها: التعليم في زمن التعقيم! داعيًا إلى إنشاء منصّة تعليميّة رقميّة بعدّها ركيزة من ركائز التربية المتطوّرة في عالم اليوم، وبيّنت أنّ كلفتها زهيدة وفوائدها عظيمة، ولا سيّما في الأزمات وانقطاع التعليم الحضوريّ، كما هو الحال اليوم في ظلّ الحرب. لم يلتفت أصحاب القرار التربويّ إلى ما اقترحته يومها، فهل يستمعون اليوم؟

ما وراء الحلول السريعة

لم يعد ممكنًا تفسير أزمة التعليم في لبنان بوصفها نقصًا في الأدوات، بل هي، في جوهرها، أزمة رؤية وإدارة. فاللجوء إلى منصّات التواصل المرئيّ، مثل Microsoft Teams، واستخدامها حصرًا كشاشات بثّ مباشر، أو تواصل من بُعد خلال الأزمات، لم يكن سوى استجابةٍ اضطراريّة حافظت على الحدّ الأدنى من الاستمراريّة، من دون أن تُنشئ تعلّمًا فعليًّا.

فالتعليم ليس بثًّا مباشرًا للمعلومات، ولا هو إرسال بيانات، بل بناء معرفيّ Knowledge Construction  منظَّم، يتطلّب منظومة تضبط المسار، وتقيس التقدّم، وتوفّر تغذية راجعة مستمرّة. وهنا تحديدًا تتبدّى الفجوة بين “التواصل” و”إدارة التعلّم”.

المنصّة الشاملة: من أداة إلى منظومة

إنّ الحديث عن منصّة وطنيّة لإدارة التعلّم Learning Management System – LMS ليس ترفًا تقنيًّا، بل تحوّلًا في بنية النظام التعليميّ ذاته، وهذا ما يحدث في العالم، في الأزمات والأحوال العاديّة. فالمنصّة الشاملة لا تقتصر على تحميل الدروس، بل تنهض بوظائف متكاملة:

وبذلك تتحوّل المنصّة إلى “بنية تحتيّة تربويّة” لا إلى مجرّد أداة عرض.

نماذج قائمة…

العالم لا يبدأ من الصفر؛ ثمّة تجارب ناضجة، مثالًا لا حصرًا، يمكن الإفادة منها مباشرة:

الدلالة الأهمّ أنّ المنصّة ليست فكرة نظريّة، بل نموذج مطبَّق قابل للنقل والتكييف.

هل التنفيذ صعب فعلًا؟

السؤال ليس: هل نستطيع؟ بل: هل نريد؟

من الناحية التقنيّة، يمكن إطلاق منصّة وطنيّة خلال فترة وجيزة نسبيًّا إذا توفّرت ثلاثة شروط أساسيّة:

  1. اختيار قاعدة جاهزة: اعتماد منصّات إدارة التعلّم Learning Management Systems – LMS  مفتوحة المصدر يختصر سنوات من التطوير ويقلّل الكلف الماليّة بصورة كبيرة.
  2. نشر سحابيّ مرن: استخدام بنية سحابيّة Cloud Infrastructure يتيح سرعة الإطلاق وقابليّة التوسّع، مع إمكانيّة تفعيل نمط العمل من دون اتصال بالشبكة Offline Mode عبر التطبيقات المحمولة، بما يواكب تحدّيات انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت في لبنان.
  3. فريق وطنيّ صغير عالي الكفاءة: مجموعة محدودة من الاختصاصيّين (تقنيّين وتربويّين) قادرة على الإطلاق الأوّليّ للمنصّة، على أن يتبع ذلك توسّع تدريجيّ وفق الحاجة والتجربة الميدانيّة.

وعليه، فإنّ العائق الحقيقيّ ليس ماليًّا بالدرجة الأولى، بل إداريّ – تنظيميّ.

الكلفة الحقيقيّة: غياب المنصّة

في المقابل، يؤدّي الاستمرار في الاعتماد على حلول مجتزأة إلى كلفة خفيّة مرتفعة:

إنّ كلّ يومٍ يمرّ من دون منصّة شاملة يمثّل خسارةً تراكميّة في جودة التعليم.

من الطارئ إلى المنظوميّ

التحوّل المطلوب ليس رقميًّا فحسب، بل تربويّ في العمق. فالمنصّة الوطنيّة تمكّن من:

الخلاصة: القرار قبل التكنولوجيا

لبنان لا يحتاج إلى اختراع جديد، بل إلى قرار واضح. فالمنصّة الوطنيّة لإدارة التعلّم مشروع قابل للإطلاق السريع، وبموارد محدودة نسبيًّا، إذا توافرت الإرادة السياسيّة والرؤية التربويّة.

لم تعد المسألة تقنيّة فحسب، بل هي مسألة سيادة تربويّة ورقميّة، تضمن حماية بيانات المتعلّمين وصون القرار التعليميّ الوطنيّ (الاعتماد على شركات مثل جوجل ومايكروسوفت يطرح تساؤلات حول خصوصيّة بيانات المتعلّمين والإدارة التربويّة)، فضلًا عن توفير أعلى مستويات التعلّم الذاتيّ والموجّه ومن ضمن الإمكانات الموجودة.

إمّا الاستمرار في إدارة الأزمة بأدوات متفرّقة، أو الانتقال إلى بناء منظومة تعليميّة رقميّة متكاملة تضع المتعلّم في مركزها. والفارق بين الخيارين ليس الزّمن ولا المال… بل القرار.

اكتشاف المزيد من موقع محمّد ماجد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة