لم يأبه لجائزة، ولم يعمل لنيل رضا جهة رسميّة أو غير رسميّة؛ فالكلام من ثمّ ليس في عرضه على معايير نوبل؛ وإنّما عرض معايير نوبل على الإبداع والأدب الملتزم قضايا الإنسان الذي كان زياد الرحباني رائده من دون منازع.
المعيار الأساس لجائزة الأكاديميّة السويديّة هو ما ورد في وصيّة ألفرد نوبل: “تمنح الجائزة للفرد الذي أنجز في مجال الأدب عملاً متميّزًا في اتّجاهٍ مثاليّ”.
إذا كان الجدل قد احتدم عند منح المغنّي والشاعر الأمريكيّ “بوب ديلان” نوبل الأدب عام 2016، ومدى انطباق الأدب على نتاجه، فإنّ نتاج الرحباني لا يثير جدلًا، فقد كان مسرحيًّا، وشاعرًا، وكاتبًا ناقدًا ساخرًا. وأمّا الاتّجاه المثاليّ فزياد عبّر بوضوح عن هموم الإنسان وقيمه الجوهريّة في قضايا الحريّة والعدالة والمساواة ورفض الظلم…
بقيت قضيّة التأثير، وهي التي قد تشكّل عقدة في بقاء أعمال زياد في الإطار اللبنانيّ وإن تجاوزته فإلى المدى العربيّ. هذه الإشكاليّة تقودنا إلى مناقشة مسألة “العالميّة” وكيفيّة تحقّقها وقياسها. أهي الترجمات؟ أم التفاعل العالميّ؟ وهل احتفاء المؤسّسات الدوليّة بالأدب المحليّ يمنحه بطاقة عبور إلى العالميّة؟
بقدر ما يتحمّل الأديب وذووه مسؤوليّة النشر عالمّيًا، فإنّ المجتمع العالميّ يتحمّل بدوره مسؤوليّة اختيار النتاجات الإنسانيّة… وحيث إنّ المجتمع العالميّ يخضع لموازين غير فنيّة في الغالب، وتحكمه السياسة والغلبة، والرواج التجاريّ، فلا يمكن من ثمّ محاكمة زياد بناء على هذه المعايير. زياد كان صاحب موقف مناهض للغرب السياسيّ، الغرب الّذي واجه بشراسة المدّ اليساريّ، والّذي طرح مفاهيم خاصّة به للحريّة والديمقراطيّة، لا يتوقّع منه أن يحتفي بيساريّ صميم يتموضع في قلب المواجهة ويعلنها حربًا أمميّة:
يا رياح الشّعب يا روح السّلام اعصفي بالليل ينهدّ الظلام…
جايي مع الشعب المسكين… جايي تا أعرف أرضي لمين
لمين عم بموتوا ولادي… بأرض بلادي جوعانين!
مش رح نبقى عبيد… إلنا ميّة هويّة… بوحّدنا النشيد وبتجمّعنا التحيّة…
لست أعرف أيّ عالَم سيقدّم هذا المبدع للعالم! ومن ثمّ كيف يمكن لمستضعف أن يتفاعل معه وهو منصرف إلى محليّاته تشغله عن رؤية شركائه في المظلوميّة؛ ومن الواضح أنّ مؤسّسات رائدة، ملتحقة، أو خاضعة للغلبة، لن تكون مهتمّة، ما لم تكن عاملة على إخفاء الأصوات المناهضة، ولا يتوقّع منها الالتفات إلى صوت كرّس نفسه لمواجهتها! والكلام على الرواج التجاريّ لا يحتاج تفسيرًا فزياد كان يشقى ليجد تمويلًا نظيفًا يعينه على الإنتاج… ولولا جمهور يحبّه ويؤمن به، ما كان له أن يستمرّ… زياد أبدع بلحم حيّ ومن دون تورّط في مال ملوّث أو دعم بأجندات تفضي إلى خلاف ما يقول. حتّى الّذين لم يفهموه جيّدًا، واتّخذوا منه مثالًا للسخرية والتفكهة، لم يتعاط معهم بفوقيّة، بل تابع في نشر الوعي السياسيّ بينهم، فكتب لهم همومهم بلغة يحبّونها وألحان يغنّونها ولو كان الفهم وتمثّل أعماقها مؤجّلًا… ووجد حلًّا لمن لم يبلغوا النضج الفنيّ ليستمعوا إلى موسيقى صافية رائعة: كتب لهم كلامًا يلزمهم الإنصات إلى الجمال الكامن خلف الكلمات، والثائر على القبح… فهل يطالب هذا المبدع بأن يبلغ العالميّة في هذا العالم الّذي عاش فيه يقاوم كلّ شيء؟
حين نضع أعمال زياد تحت المجهر الإنسانيّ، نجده عالج بفنّ ذكيّ رفيع، وجمال تعبيريّ ساحر، كلّ ما يعيشه الإنسان؛ ولن تجد صرخته بوجه الرأسماليّة المتوحشة أذنًا عالميّة:
أنا مش كافر، بس الجوع كافر، والذلّ كافر…
شو هالإيّام اللي وصلنالا، قال إنّو غني عم يعطي فقير!
ومن سيترجم: “نزل السّرور”؟ الّتي ألّفها زياد ولم يتجاوز 20 عامًا، بلغة لا يحدّها زمان ومكان، تحكي وجع الشعوب، حيث الثورة شعارات طنّانة لا تنزل إلى الواقع إلا بالإكراه ثمّ تختنق قبل أن تحقّق “ضربة كفّ”؟ ومن سيمنح “زكريّا” المقموع العاجز عن تسديد فاتورة وجعه تحت نير التحالف السرمديّ بين تجّار الرقيق وزعماء المافيا والمال الحرام؟ هكذا بقي زياد “يبرم” في المطعم الّذي يأكل القيم في المجتمع المسحوق وزوجته “تبرم” مع حلف “الناتو” على أمل تسديد أقساط غرفة النوم، وتسأل “بالنسبة لبكرا شو”؟ أوليس ما عاشه لبنان، ومثله الدول المستولى عليها، مجرّد “فيلم أميركيّ طويل” يقول فيه المجانين ما احتبس في أفواه العقلاء، قبل أن يعالجهم مستشفى النفاق ليردّدوا ما يجب قوله: “مؤامرة”، ولو لم نفهم “شو هيّي هالمؤامرة”! لم يكن من شنّ هجومًا عنيفًا على “شي فاشل” ينطق باسمه فحسب، كان يعبّر عن “فولكلور” لبنانيّ أصيل في إدمان العيش في صورة لبنان غير موجود سوى في خيال ساذج، نتيجته دوّامة اقتتال طائفيّ نجمّله بشعارات “كلّنا إخوة”، فنحن في مسرحيّة تعود فيها الجرّة المسروقة، ليس مهمًّا من يسرقها كلّ مرّة، وتوضع في وسط القرية مهيّأة للسرقة من جديد… المختار والصبيّة المنذورة لوطنها… استراتيجيّة لا تخيب! “شو عنجدّ هيّي”؟
كتب “لولا فسحة الأمل” بعد “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، وعاث الممثّلون فسادًا مبدعًا على خشبة جديدة، فجاء كلّ مشهد مسرحيّة “من نفس الخطّ القديم بس عشي جديد”! وهوجم كالعادة: غير مفهوم! لعلّه صار أقرب اليوم، ففهمه في نهاية المطاف مرتبط بفهم أنفسنا، وهذا الوطن الّذي يقتله أهله كلّ يوم ويأبى أن يموت… أوليس التعصّب والفساد وتحكّم المصارف قضيّة عالميّة؟ نحن لسنا وحدنا إذًا، وزياد الرحباني أديب عالميّ، مبدعٌ حكى وجع الإنسان، في كلّ مكان، مُنح نوبل أو لم يمنح… نوبل للمؤطّرين، وزياد إطاره الوحيد: الحريّة، الجمال، العدل، الإنسان. خسرت نوبل وفاز زياد.