اللغة العربيّة وآدابها: لا لغة ولا أدب!

صحيفة النهار 21/9/2022

د. محمّد ماجد *

لا جدال في أنّ التربية في لبنان قاصرة عن تحقيق الغاية منها، في سائر المراحل والفروع الثانويّة، لأسباب منها: الارتجاليّة في وضع مناهج 1997 (قال العلّامة الدكتور أسعد سكاف: الكتب المدرسيّة حافلة بالأخطاء الماديّة الفاضحة وحافلة بالأخطاء التربويّة التي لا يقرّها منطق تربويّ)، وعدم تطويرها إلى اليوم، وعدم تنمية أداء الأساتذة والمعلّمين، كما آلية اختيار المدرّسين سواء من خلال مباريات مجلس الخدمة المدنيّة التي تقتصر على اختبار معلوماتيّ، في حين تحتاج التربية أكثر من المعرفة بمادّة الاختصاص، ولا سيّما أن شرط الخضوع لدورة، أو كفاءة في كليّة التربية لا تحقّق المطلوب منها، أو من خلال بدعة التعاقد العشوائيّ، وغياب الرقابة التربويّة الجديّة، وقبل كلّ ذلك الاتّجاه في الأغلب الأعمّ لاعتماد مبدأ التعليم لا التعلّم، والتعليم يغدو تلقينًا لا تحفيزًا لعقل المتعلّم؛ كلّها أسباب لتردّي الحال، غير أنّ الكلام على فرع الآداب والإنسانيّات يتّخذ بعدًا أشدّ خطرًا، فهو ممّا يستسهل فيه المدرّسون أداء وظيفتهم التعليميّة، فالموادّ فيه غدت مواد حفظ واسترجاع، وقوالب نظريّة جاهزة لا مكان فيها -غالبًا- لمهارات التفكير؛ أضف إلى ذلك أنّ المحتوى بذاته إمّا هزيل، أو غزير يتيه في فهمه المتعلّم ولا يعرف وجه الإفادة منه، ويأتي الامتحان الرسميّ ليزيد الشرخ بين ما يتلقّاه المتعلّم في المدرسة وما يمتحن به. وسأركّز كلامي على مادّة اللغة العربيّة وآدابها (بحسب تسميتها الرسميّة) وارتباطها بالامتحان الرسميّ.

في هذه المادّة، ليس على الطالب أن ينطلق من معارف أدبيّة جديّة ليناقشها أو يحلّلها ويبدي رأيه فيها، فليس ثمّة قضايا مسؤول عنها في الامتحان الرسميّ، كلّ ما فيه نصّ مرفق بأسئلة نمطيّة من مثل: لخّص فقرة، اشرح قول الكاتب، استخرج الحقل المعجميّ (مستوى متوسّط مطبّقًا بصورة مريعة)، أو تكلّم على حواشي النصّ (ينقلها ويعلّق عليها بمحفوظات أغلبها خاطئ علميًّا كأن يقول: قلّة العبارات المشروحة في الهامش تعني سهولة النصّ!) أو تكلّم على النمط المسيطر (يجيب: السرديّ لأنّ هناك كثيرًا من الأفعال الماضية!) وهكذا، وهي كلّها “مهارات / كليشيهات” شديدة التبسيط ومكرّرة منذ عقدين، ثمّ في التعبير الكتابيّ يطلب كتابة موضوع في الثقافة العامّة، لا صلة مباشرة له بقضايا اللغة والأدب، ولا يُبنى التقويم غالبًا على معايير محدّدة لأصول الكتابة بأنواعها. وأعجب من كلّ ذلك عدم وجود مرجعيّة للمتعلّم غير ما يردّده الأستاذ، الّذي يردّد بدوره ما تقوله اللجان الفاحصة! نعم فالكتاب ليس مرجع المادّة، تخيّلوا! وأمّا عن علوم اللغة فتركت لمزاج المعلّمين حيث يوصى بتعليم ما يرد من قواعدها في النصوص، وحيث تلقّى المتعلّم ذلك في المرحلة المتوسّطة، كان ينبغي للمرحلة الثانويّة أن تعمّق هذه العلوم للانطلاق منهما إلى فضاء اللغة الأوسع في التحليل والنقد، لترتقي إلى أصول التعاطي مع النصّ. وفي حين ينبغي التركيز في بناء مهارات المتعلّم، لقراءة مختلف أنواع النصوص، فهمًا وتحليلًا وتقويمًا ونقدًا وصولًا إلى الإبداع، يكتفي تعليم “اللغة العربيّة وآدابها” بتعويد المتعلّم على السطحيّة والنمطيّة، فيتخرّج لا هو قادر على تحليل نصّ تحليلًا رصينًا، ولا لديه معرفة أدبيّة عميقة أو واسعة، ولا يقدر على التعبير -كتابة ومشافهة- عن قضيّة أدبيّة خاصّة. وفي المادّة ما يعرف بالثقافة الأدبيّة العالميّة، وهذا عنوان خادع، فقد اعتمد طاغور الفيلسوف الهنديّ وكتابه جنى الثمار نموذجًا لا غير، وهو أقرب إلى الفلسفة الصوفيّة الرمزيّة، جرت عادة المتعلّمين على حفظ مقاصد ألفاظه الثابتة (الشمس = الخالق، قطرة الماء = الإنسان) وذكرها في الإجابة (اختبار ذاكرة)، ومرّة جديدة لا يتلقّى المتعلّم شيئًا من الأدب العالميّ. باختصار: في مادّة اللغة العربيّة وآدابها لفرع الآداب والإنسانيّات: لا أدب عربيًّا، ولا عالميًّا، ولا لغة!

واضح أنّ الأساس الذي انطلقت منه مناهج اللغة العربيّة وآدابها (أو هكذا زعموا) هو العلوم اللغوية المستندة إلى اللسانيّات Linguistics، وما أعقبها من مدارس نقديّة، أبرزها البنيويّة Structuralism، وهو منهج –كما يطبّق في التربية مشوّهًا- كفيل بقتل المضامين الفكريّة والقيم التي تحملها النصوص، كما بقتل المؤلّف وما يحمله من تجربة إنسانيّة، وفي ذلك نسأل: أين التربية التي تستفيد من مجمل هذه المنهجيّات في العمليّة التربويّة وتتلافى سلبيّاتها؟ مع الإشارة إلى أنّ ما اعتمده هؤلاء –من منهج ممسوخ– لا يمثّل في الثقافة الأدبيّة واللغويّة سوى هامش صغير، فلم يفلحوا في اعتماد منهج غربيّ تربويّ متكامل أحسن الإفادة من اللسانيّات ومناهجها، ولا هم احتفظوا بمنهج عربيّ رائد، ولا حتى مزيج واعٍ من هذا وذاك، فخسر الأدب العربيّ هويّته وخسر المتعلّمون ملكة اللغة العربيّة ومهاراتها، وتغرّبوا عن ثقافة الأدب، فجاءت “منهجيّتهم” سرابًا في سراب! يقول الدكتور كمال الشرتوني (من الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكيّة): “الألسنيّة العالميّة لا يجوز أن نتجاهلها ولكن لا يجوز أن نتبناها بتفاصيلها ومصطلحاتها… في حين أنّنا لو عدنا إلى تراثنا لوجدنا ما يشابهها أو يوازيها. نحن مدعوون إلى الموازنة بين جديد الألسنيّة العالميّة وخصوصيّة اللغة العربيّة وتراثها. فضلاً عن أنّ هذه المناهج اللغويّة النقديّة داخلة في باب المذاهب الفلسفيّة التي أثارت جدلاً واسعًا ولم يجر الاتفاق على كثير من مصطلحاتها، فجاءنا في لبنان من يترجم -بعماء- مصطلحات هذه العلوم، ثمّ يفرضها على مناهج التعليم في مادة الأدب العربيّ”، يتابع الشرتوني: “ما يجوز طرحه بين الجامعيين للنقاش والتدارس لا يجوز فرضه على المتعلّمين في المدارس. كما لا يجوز أن تتحوّل لغة الشعر والأدب والمشاعر الإنسانيّة إلى لغة تجارة وتقارير وإحصاءات…”.

إنّ اللغة لا تنفكّ عن التفكير، وتعليم اللغة هو تعليم التفكير وتنمية الفكر وتوسيع آفاقه، ولذلك تعدّ اللغة ركيزة العلوم الإنسانيّة (كم من المجالات المعرفيّة بنت نظريّاتها على اللغة: ليفي ستروس Lévi-Strauss الّذي وُصف بأنّه أكبر مهندسي الفكر في العصر الحديث استعمل المنهج اللغويّ البنيويّ في مجال الأنثروبولوجيا)، وبحوث العلاقة الحتميّة بين التفكير واللغة كثيرة، يقول فيغوتسكي Vygotsky إنّ للّغة وظيفتين: “الاتّصال الخارجيّ مع الأتراب من بني البشر، وما يعادل هذا في الأهميّة من الاستخدام الداخليّ لأفكار المرء”، ويقول هنري دولاكروا Delacroix “إنّ الفكر يصنع اللغة في الوقت نفسه الّذي يُصنع فيه من طرف اللغة”؛ فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، ويرى واتسن Watson رائد السلوكيّة “أنّ اللغة والفكر شيء واحد، وعندما يفكّر الإنسان فإنّه يتكلّم وإن كان كلامه غير مسموع”. ويقول كمال يوسف الحاج: “اللغة هي الوجدان نفسه، هي المعاني التي تولّدت في أغوار الذهن، وهذا يعني أنّ اللغة تعكس الفكر تمامًا، فغموضها ليس عيبًا في الألفاظ، وإنّما هو غموض في الفكر نفسه”. من هنا جاء منهج تدريس اللغة العربيّة وآدابها في لبنان قاصرًا بصورة فاضحة، وبدلًا من أن تكون هذه المادّة مادّة الموادّ جميعًا، ثقافة متخصّصة، وفكرًا، ونقدًا، وإبداعًا، ومهارات تعبير متنوّعة… باتت مادّة سطحيّة جوفاء. فتحليل نصوص لجبران خليل جبران مثلًا، يفترض به الأخذ بيد المتعلّم نحو مناقشة قضايا أدبيّة (تيّارات فكريّة لها ظروفها الاجتماعيّة طبعت التوجّهات الفنيّة… على سبيل التمثيل)، ولغويّة (وظائف اللغة وتطوّرها وطرائق استعمالها وكشفها ثقافات الشعوب وقيمها، مثلًا) واجتماعيّة (الإصلاح ببعديه الذاتيّ والاجتماعيّ والثورة على الظلم بأنواعه، على سبيل التمثيل)، وفلسفيّة (التأمّل في الوجود والحياة ودور الأدب في إثارة الفكر وتعميق التفكّر)، وحضاريّة (علاقة الشرق بالغرب وتفاعل الحضارات والتأثير والتأثّر) فضلًا عن المناحي الإبداعيّة (رصد الجماليّات التعبيريّة وأساليب الكتابة للانطلاق من المحاكاة نحو الإبداع)، والتدريبات المهاريّة على الكتابة بأنواعها، وغيرها كثير من القضايا؛ هذا بعض من جوانب دراسة اللغة العربيّة وآدابها لولا أن مسختها المناهج اللبنانيّة، وأدوات قياسها، وجعلت منها مادّة فارغة لا تكسب المتعلّم معرفة ولا فكرًا ناقدًا ولا حسّ إبداع ولا مهارات! (يكفي النّظر في مسابقة رسميّة في مادّة اللغة العربيّة وآدابها للمرحلة الثانويّة لإدراك الهزال، فضلًا عن كثافة الأخطاء العلميّة والمنهجيّة، ولهذا موضوع يأتي).

* باحث ومؤلّف تربويّ، ومتخصّص في بناء المناهج والتعليم الرقميّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *