صحيفة النهار 5/12/2022
د. محمّد ماجد (*)
لا تعط الفقير سمكة، ولكن أعطه صنّارة صيد (مثلٌ صينيّ)
يصحّ في لبنان توصيف واحد: اللامسؤوليّة الّتي أفضت إلى الفوضى. هذه اللامسؤوليّة يتحمّلها النّاس في المقام الأوّل، لا أعني الأحياء منهم فحسب، بل الأجيال الّتي تعاقبت في العيش على ظهر هذا البلد الصغير الجميل. فهم اختاروا (ولو قهرًا)، وهم رضوا، وهم سكتوا، وهم لا يريدون حتّى إعادة نظر، أو وقفة تأمّل في ما يصلح لهم ولأبنائهم، وقبل كلّ ذلك فإنّ القليل منهم يفكّر في غده أكثر ممّا يفكّر في أمسه، أو يومه الحاضر.
التربية والتعليم، من القطاعات الأكثر وضوحًا في إبراز الحال الرديئة الّتي نحن عليها. وما جائحة كورونا والجوائح المتواترة، والانهيار الماليّ، سوى كاشف عن فظاعة الحال وليست سببًا له. فكيف تعاطت التربية في لبنان في أثناء هذه الأزمات؟
إذا كان لا بدّ من نقطة انطلاق لتوصيف الحال، فلتكن بداية الجمهورية الثانية بعد اتّفاق الطائف. انطلقت الدّولة الجديدة وانطلقت معها فيروسات شتّى، فهي حين انطلقت لم تعقّم نفسها، بل حافظت في جسمها على كلّ الأوبئة الّتي عاشت فيها زمن الحرب، منها التعصّب الطائفيّ والمذهبيّ والمناطقيّ والزعاماتيّ، والنفعيّة الضيّقة الّتي يؤمّنها الارتهان للمخلّصين الأخيار! ولذلك جرى التعاطي مع قطاع التربية بالطرق نفسها الّتي جرى فيها التعاطي مع سائر المرافق، من دون أدنى مسؤوليّة في النّظر إلى هذا القطاع على أنّه الضامن الوحيد لمستقبل أجيال جديدة قد تتمكّن من بناء وطن قابل للحياة والازدهار. ولذلك كان قطاع التربية مساحة للتنافس الطائفيّ، والزعامات الآنيّة، والتنفيعات الرّخيصة… فماذا حصدنا؟
حصدنا بنية تحتيّة للتربية ليست مترهّلة فحسب، بل مريضة شوهاء، والأهمّ أنّنا سلّمنا التربية لجهاز بشريّ -في الأغلب الأعمّ- يحتاج أوّل ما يحتاج إلى تربية إنسانيّة قبل أن نتحدّث عن تخصّص وتثقيف رؤيويّ وتجارب منتجة… ومع مرور الوقت، وخلال ثلاثين عامًا تضخّم هذا الجهاز البشريّ كمًّا تضخّمت معه اللامسؤوليّة، ولم يُنتج -إذا أنتج- سوى مزيد من الفوضى والارتجال الآنيّ الّذي أفضى إلى ما نراه اليوم، ورأينا تخبّطه في أثناء الجائحة والانهيار.
أقفلت المدارس والجامعات، وأصدر المعنيّون توصيات عشوائيّة في محاولة لتعويض التعليم المباشر في قاعات الدّروس التقليديّة، فمرّة دعوا إلى اعتماد وسائل التواصل الاجتماعيّ (فيسبوك، واتس أب…) وتارة لجأوا إلى الإعلام المرئيّ لشرح الدّروس، وأخرى تحدّثوا عن تعليم عن بعد، ولعلّ كثيرًا من أصحاب هذه التوصيات لا يعرفون كنه ما يطلبون، وهم في أحسن الأحوال لا يعرفون الفرق بين هذه الوسائل، ومدى صلاحيّة كلّ منها، وما يمكن أن تحقّقه من أهداف التعليم. ولذلك سادت الفوضى وعدم الجدوى والفشل في ما عرف بالتعليم عن بعد.
فإذا كنّا، طوال ثلاثين عامًا، أغفلنا تربية الأجيال على مبدأ الاصطياد لا أكل السّمك الجاهز، فمن الطبيعيّ أن نرى إلى المشكلة التربويّة في حالات الطوارئ على أنّها مشكلة تواصل فحسب! مشكلة تواصل نظنّ أنّ حلّها يكون بوسيلة إبلاغ العلم، ويكون بذلك تأمين البثّ المتلفز أو التراسل الإلكترونيّ كافيًا لبلوغ الكمال! وهذه بحدّ ذاتها نظرة لا مسؤولة تفتقد أبسط مبادئ التربية الصحيحة.
في التربية المتطوّرة، وفي عصر المعلومات المتاحة لمن يطلب، لم يعد الأستاذ وعاء يحمل العلم وينقله إلى المتعلّم، فيؤدّي قسطه للعلا. صار المتعلّم هو المحور وما الأستاذ سوى خبير موجّه، يدرّبه على المبادئ الّتي بها يصل إلى المعرفة واكتساب المهارات، ويحفّزه على البحث والتفكير حتّى إذا خرج إلى مواقف حياتيّة مختلفة يستطيع التعامل معها بصواب وفعاليّة، كما يزرع فيه روح النّقد ويستفزّ فيه ملكات الإبداع لئلا يبقى متلقّيًا مقلّدًا… فهل سلكنا هذه الدّرب؟ الإجابة ماثلة لمن يريد أن يرى. وليست الإجابة عن هذا السّؤال سوى نتيجة حتميّة للمقدّمات الّتي بنينا عليها التربية منذ ثلاثين عامًا.
فضلًا عن ذلك، فإنّنا تعامينا عن الثورة المعرفيّة والتقنيّة في عالم التربية، وليس أنّنا لم نواكب شيئًا من ذلك، بل إنّنا حافظنا بإصرار ليس على طرائق تعليم بائدة بل على فوضى تعليميّة عارمة، وعلى الرّغم من أنّ إصلاح المناهج -في حدّه الأدنى- يعتمد بصورة أساسيّة على العامل الإنسانيّ المتوافر في ملاكات الدّولة، قبل العامل المادّي الّذي هو ذريعة الانكفاء دومًا، ومع ذلك لم نعمد حتّى إلى أبسط الإصلاحات، كتصحيح الأخطاء المنهجيّة والماديّة -ولو بالحدّ الأدنى- في المناهج وهو أضعف الإيمان، فكيف نأمل من ثمّ بإصلاح التربية والأخذ بأسباب التطوّر فيها؟
إنّ الوقفة الصّادقة مع الذّات ضروريّة في اجتراح الحلول، غير ذلك لا يفضي إلّا إلى مزيد من التردّي. وإذا كان صحيحًا أنّ المعالجة صعبة في ظلّ الفوضى الّتي ورثناها في قطاع التربية، الفوضى المتمثّلة بمتعلّم لا يملك عدّة التعلّم ويحتاج إلى التلقين كما عوّدناه، والفوضى المتمثّلة بانعدام الرؤية وندرة الاختصاص -جِدًّا وكفاءة– لدى كثير من مسؤولي هذا القطاع، والفوضى المتمثّلة بغياب جهاز تعليميّ قادر على التعامل مع النظريّات التربويّة المتطوّرة ووسائلها المتقدّمة والمتنوّعة، والفوضى المتمثّلة في عدم وجود بنية تحتيّة تربويّة حديثة.
وحيث اتّخذنا من جائحة كورونا مثلًا للكلام على أمراض التربية، وحيث إنّ الجائحة أو ما يشبهها قابلة للبطش من جديد ومن ثمّ العودة إلى تعطيل الحضور في المدارس، وربّما الاضطرار إلى التعطيل بسبب الانهيار الاقتصاديّ الشامل؛ فقد يأتي يوم لا يتمكّن فيه المتعلّم والمعلّم من الوصول إلى المدرسة، فكيف يستمرّ قطاع التعليم؟
تجدر الإشارة إلى أنّ كثيرًا من الدول شرعت منذ زمن طويل باعتماد وسائل التعليم الرقميّ، لا كبديل عن التعليم الحضوريّ بالضرورة، بل كرافد أساسيّ يكمل عمليّة التعليم والتعلّم، ودخلت هذه الوسائل المنهج الرسميّ، ولذلك لم يجدوا كبير مشكلة عند أوقات التعطيل القسريّ، وحيث إنّ معظم أهل التربية في لبنان لم يسمعوا بذلك حتّى وجدوا أنفسهم في مأزق الجائحة والاضطرار إلى استمراريّة التعليم، فبدأوا الحديث عن تعليم عن بعد وبدأ الارتجال كما سلف.
الحلول النّاجعة ممكنة، أو أقلّه وضع القطار على سكّة التعافي التربويّ، وهو ما أراه متاحًا في مسارين متوازيين: الأوّل الشروع الفعليّ لا الكلاميّ في بناء مناهج متطوّرة (يأتي الكلام عليها في حديث آخر)، والثاني بناء منصّة إلكترونيّة وطنيّة ميسّرة لأطراف العمليّة التربويّة، مع الاعتراف بعوائق كتردّي البنية التحتيّة وهزال شبكة الإنترنت، وهذه كذلك لها حلولها لو وجدت الإرادة والجديّة.
وفي تصوّري أنّ البداية تكون بوضع رؤية واقعيّة تستفيد من تجارب العالم، ثمّ تنطلق بتكوين جهاز طوارئ تربويّ، على غرار الجهاز الطبيّ، لا يبالي بالتوزّع الطائفيّ والمحسوبيّات بقدر ما يحرص على الاختصاص والكفاءة والرؤية والاستقامة، ومن الطبيعيّ أنّ هذا الجهاز يبدأ بتعقيم ذاته وحجر الفيروسات الّتي ما زالت تنخر في جسم التربية، يضع خطّة نهوض، ويعمل في مراحل ومستويات، أوجزها بما يأتي:
- الشروع في تأسيس المنصّة التربويّة التعلّميّة الوطنيّة، وما يستلزمه ذلك من إجراءات وتحضيرات ومقدّمات تعتمد في معظمها على الجهود البشريّة، وهي متوافرة في ملاكات الدّولة شريطة الابتعاد من المحاصصة والمحسوبيّات. ثمّ البدء باستعمالها كليًّا أو جزئيًّا، كبديل مؤقّت -حيث تستدعي الحاجة- عن التّعليم التقليديّ، أو كداعم أساسيّ رافد ودائم له، وهو من أسس التربية المتطوّرة اليوم.
- إعادة تصميم المناهج على أسس تربويّة صحيحة ومتطوّرة، بإشراف لجنة عليا (لا يعيّنها السياسيّون لو أمكن) غير محصورة بالمركز التربويّ (لأنّه مؤسّسة تخضع للمحاصصة السياسيّة وإنجازاته تحكي عنه!) وبمشاركة المتخصّصين وأصحاب الخبرة والكفاءة، بعد التوافق الوطنيّ على الرؤى والأهداف والآليات الّتي تعتمد. إنّ هذا العمل الّذي لا يجوز تأخيره بأيّ حال عماده كذلك الجهد البشريّ أكثر من المستلزمات الماديّة، وضمان نجاحه الشفافيّة والحرص والابتعاد من السياسة الضيّقة، ولا سيّما ألّا مكاسب ماليّة يُتوقّع أن ترصد له، وإنّما يعتمد على عطاءات المخلصين في مجال التربية وهم كثر.
قبل كلّ ذلك، علينا أن نبدأ فورًا في تعديل رؤانا التربويّة، وأن نبني أسرة تربويّة ذات كفاءة لا ترى إلى التربية وظيفة أو موقعًا نفعيًّا، بل ترى المشتغل في الشّأن التربويّ طبيبًا له ما للطبيب وعليه ما عليه، هذا يداوي الجسد وذاك يصنع الإنسان. وعلينا أن ننقل المتعلّمين من متلقّين يسعون لنيل الدّرجات، إلى مشاركين فاعلين، ثقافة، ومهارة، ونقدًا، وإبداعًا، في سائر قضايا الوطن والعالم، ألسنا نهدف إلى بناء شخصيّة المتعلّم في سائر مناحيها، كما يرد في الأهداف النظريّة؟ إنّ ما تقدّم لا يكلّف كثير مال بقدر ما يكلّف جهدًا إنسانيًّا وقرارات مسؤولة وجريئة، قرارات وجهودًا معقّمة من كلّ فيروس خبيث. وقبل كلّ ذلك أن يعترف المسؤولون ولو لمرّة واحدة أنّهم فشلوا في تحقيق مصالح الشعب اللبنانيّ، فلم لا يكفّرون عن فظيع جريمتهم بالسّماح لأجيال قادمة أن تحظى بحياة أفضل؟
إنّ هذه الأفكار الّتي اضطررت للتعبير عنها في الإعلام حيث لا إطار تنظيميًّا رسميًّا يستمع الشكوى، أو يهتمّ للمقترحات ويقيّمها فيأخذ بالمفيد منها، وحيث لا صوت يعلو فوق صوت المسؤول المعيّن بالسياسة الّتي لا تلتقي مع الكفاءة غالبًا، والذي يصير تاليًا حاكمًا بأمره يقصي بحسب مزاجه من لا يوافق هواه ويدني مريديه ويجعلهم في مواقع القرار مهما بعدوا من مبدأ الكفاءة والاختصاص… لكلّ ذلك وجدت أن أسهم في تقديم ما أظنّه مساعدًا، فإن وجد مصغيًا حمدت الله وتفاءلت، وإن لم يجد حمدته سبحانه وتعالى على كلّ حال، وهو الّذي لا يحمد على مكروه سواه.
* باحث ومؤلّف تربويّ، ومتخصّص في بناء المناهج والتعليم الرقميّ

اترك تعليقاً