صحيفة الأخبار 6-7-2022
الكلام على التربية في لبنان ذو شجون! وحيثما ولجت بكيت. كان يمكن -لو أتيح قليل وعي ومسؤوليّة- تحييد التربية عن السياسة المصلحيّة لتحظى بحدّ أدنى من الرفعة والاحتراف وتحقّق للأجيال فرصة بناء وطن أفضل ولو بعد حين.
اخترت الحديث عن فرع الآداب والإنسانيّات في شهادة الثانويّة العامّة، لأنّه نموذج يقاس عليه حال التردّي، ولأنّه يختصر البؤس الّذي تعيشه التربية في بلد كان أبناؤه روّاد النّهضات في العالم العربيّ والعالم، آدابًا وعلومًا.
وضعت المناهج المعمول بها حاليًّا في العام 1997 وبدأ تطبيقها بصورة شاملة في العام 2001. واحد وعشرون عامًا وكتب هذه المناهج تطبع -مرارًا- كما ألّفت وقتها، بأخطائها المنهجيّة، والعلميّة، واللغويّة، والطباعيّة. حيث للتربية احترام في بلدان تحترم الإنسان يعاد النظر بالمناهج كلّ عام، أو أقلّه كلّ ثلاثة أعوام. أمّا عن طرائق التّدريس فهي هي، تقليديّة تلقينيّة في الأغلب الأعمّ، لا دورات مضيعة الوقت التنفيعيّة -غالبًا- قدّمت شيئًا للمعلّمين ولا المركز التربويّ للبحوث والإنماء أضاف شيئًا نوعيًّا طوال عقدين. أترك الكلام على المناهج لوقت آخر، وأعود إلى تقسيم الفروع في الثانويّة العامّة: فرع العلوم العامّة، يرتكز على الرياضيّات ثمّ على الفيزياء والكيمياء. فرع علوم الحياة، يرتكز على علم الأحياء ثمّ الفيزياء والكيمياء والرياضيّات؛ فرعان أصبحا يعدّان -بين أهل التربية والطلبة والأهالي- عنوانًا للتفوّق. ثمّ فرع الاجتماع والاقتصاد، وهو فرع يعلم الله وحده إن كان أدبيًّا (بالمعنى الاصطلاحيّ العام للعلوم الإنسانيّة) أم علميًّا (بالمعنى الاصطلاحيّ العام للعلوم البحتة والتجريبيّة)، فهو اختصاص هجين يعير الرياضيّات اهتمامًا كبيرًا ولا يغفل الفلسفة واللغات، في حين يفترض به التركيز في علمي الاجتماع والاقتصاد لولا أنّهما تحوّلا إلى نظريّات وتطبيقات أوليّة سطحيّة في المجالين، فضلًا عن عدم مسايرتهما المستجدّات، ومع ذلك فقد وجد فيه الطلاب الّذين لم يفلحوا في تخطّي الموادّ المصنّفة علميّة ملجأ يحفظ لهم مكانة بين أصحاب التخصّصات الراقية! غير أنّهم وبحسب التجربة، لا يجدون أنفسهم في مجال واضح حين يتوجّهون إلى الجامعات، فلا هم يفلحون في التخصّصات العلميّة (الطبّ والهندسة مثلًا) ولا يميلون إلى الإنسانيّات الّتي ترفّعوا عنها! ومع ذلك يذهب معظمهم في نهاية المطاف إلى تخصّصات جامعيّة إنسانيّة (الحقوق والإعلام والآداب…) ما خلا القلّة القليلة فإلى إدارة الأعمال وما شابهها حيث مكانهم المعدّ لهم. ويقبع في أسفل السلّم القيميّ (!) فرع الآداب والإنسانيّات، حيث صار ملجأ من لا يُقبل في فرع ممّا سبق، وصار يختاره من لا خيار له، عن اضطرار لا عن قناعة ووعي. الأدهى أنّ أهل التربية، في الثانويّات الرسميّة والخاصّة يؤمنون بهذا السلّم المغلوط، ولذلك فقد ندر وجود هذا الفرع “المُخجل” في معظم الثانويّات الرسميّة (ولا سيّما الّتي تسعى إلى نسب الـ 100 % نجاح والدرجات المقنّعة) كما المدارس الخاصّة الّتي تسعى إلى السمعة والمكانة العلميّة العالية!
وكثير من الإدارات الرسميّة تلجأ إلى إلزام الطلاب بفرع تعيّنه لهم، وإلا ترفض تسجيلهم، ولا يخفى أنّ هذا مخالف للقانون (والقانون في بلادنا مجرّد نصائح غير ملزمة)، والحجّة التي يستندون إليها، وإن كانت مفهومة أحيانًا، فهي تغفل مبادئ تربويّة وأخلاقيّة مهمّة؛ أمّا أنّها مفهومة فلأنّها تسعى إلى وضع المتعلّم في فرع يضمن له النجاح بحسب أدائه في الموادّ والفرع الذي صنّف فيه (إلزامًا أيضًا) في الصفّ الحادي عشر، وأمّا إغفال المبدأ الأخلاقيّ فهو أنّ لكلّ طالب حريّة اختيار ما يشاء، وهو يتحمّل مسؤوليّة اختياره، وما دور الإدارة ههنا سوى النّصح والإرشاد لا الإلزام، وأمّا المبدأ التربويّ فيقول إنّ لكلّ طالب فرصة دائمة في تطوير ذاته واستعادة ما فاته، فمن قصّر سابقًا يمكنه أن يعوّض لاحقًا، وهل مهمّة التربويّين غير دعم المتعلّم ورفع مستواه؟ غير أنّ الإدارات تسعى إلى السمعة، والسمعة هذه تجرّ الويلات: فكم من الثانويّات ترفض تسجيل الطلاب في المرحلة الثانويّة إذا كانت معدّلات نجاحهم في الشهادة المتوسّطة متدنيّة، فتنقلب التربية من التعليم والتنمية إلى داروينيّة اختيار الأصلح ثمّ ترك الضعفاء لمصيرهم (ومعظمهم ضعفاء لأنّ التعليم متردّ لا لإنّ جيناتهم العقليّة ضعيفة)، ثمّ التباهي بأنّ مستوى هذه الثانويّة رفيع فهي تحقّق نسب نجاح باهرة!
بالعودة إلى تصنيفات فروع الشهادة الثانويّة العامّة، ثمّة أوهام فادحة في فهم هذه التصنيفات، وفي طبيعة كلّ فرع؛ هذه الأوهام لا تقتصر على الأهالي وأبنائهم الطلّاب، بل تشمل كثيرًا من القائمين على التربية، بكلّ أسف. أولى هذه الأوهام أنّ العلميّة مقتصرة على الموادّ ذات البعد التجريبيّ أو المستندة إلى حقائق يتوصّل إليها بالبحث الأكاديميّ، كعلوم الحياة والكيمياء والفيزياء والرياضيّات، في حين تغيب العلميّة عن موادّ إنسانيّة كاللغات والآداب والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والتربية… وثاني الأوهام ما هو شائع عن أنّ الموادّ الإنسانيّة هي موادّ حفظ واسترجاع، وإن تعدّتها فإلى قليل تحليل (وهذا مسخته المناهج وطرائق التدريس إلى كليشيهات مكرّرة). وثالثة الأثافي من الأوهام أنّ الآداب والإنسانيّات موادّ نظريّة جماليّة تحتاج خيالًا وبراعة في استعمال اللغة، فحسب!
في حين أنّ العلوم الإنسانيّة اليوم، ومنها اللغات والآداب، ليست كما يتصوّره كثيرون؛ فهي باتت تمتلك ركائز علميّة رصينة (بمعنى التفكير العلميّ المنهجيّ) تستند إليها في بحوثها ونتائجها، وهي مع إعلائها من شأن الإبداع وتحفيز الحسّ الجماليّ لدى المتعلّمين، كما يفترض، تعمل على تهيئتهم ليكونوا باحثين في كثير من شؤون الحياة! وما عادت اللغة صرفًا ونحوًا، بقدر ما صارت علمًا رصينًا لدراسة النّصوص (بدأ ذلك مع سوسير، منهج في اللغويات العامّة 1916)، التي تشمل مناحي المعرفة الإنسانيّة: تاريخيّة وحضاريّة ودينيّة وفلسفيّة واجتماعيّة وسياسيّة إلخ… كما أنّ المجالات الإنسانيّة كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا وغيرها صارت علومًا لها مناهجها الّتي تنطلق من توصيف الوقائع وتحليلها واستخلاص النتائج الّتي يبنى عليها في فهم الظواهر الإنسانيّة والاجتماعيّة وتفسير الوقائع، ثمّ ابتداع نظريّات مقترحة لتطوير الحياة الإنسانيّة، طبّق كثير منها على أرض الواقع؛ كارل ماركس صاحب أكثر النظريّات تأثيرًا في القرن العشرين درس القانون والفلسفة؛ نعوم تشومسكي أكثر المعاصرين تأثيرًا في الفكر والسياسة والاجتماع، وقد استُشْهِدَ به مرجعًا أكثر من أي عالم حيّ في الفترة الممتدة من 1980 إلى 1992، متخصّص في اللسانيّات من فروع علم اللغة العام. كمال الصليبيّ طرح أكثر النظريّات خطورة في قراءة التوراة مستندًا إلى علم دلالة الألفاظ والمسمّيات، وهو متخصّص بالتاريخ. لا تنتهي النماذج المتخصّصة في الآداب والعلوم الإنسانيّة الّتي حقّق أصحابها ريادات بحثيّة وعلميّة، مرتكزين إلى مناهج رصينة في بحوثهم العلميّة الإنسانيّة، وأحدث كلّ في مجاله نقلة نوعيّة للمعرفة الإنسانيّة: بطرس البستانيّ الذي ساهم في إنجاز تعريب الكتاب المقدّس من اللغة الأصليّة وصاحب الريادة في العمل الموسوعيّ تخصّص بالفلسفة واللاهوت واللغات، أنيس فريحة رائد تطوير اللغة العربيّة وإحياء التراث القرويّ اللبنانيّ تتخصّص باللغات الساميّة، شارل مالك واضع مقدّمة الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والمشارك في صوغه انتقل من الرياضيّات إلى الفلسفة، قسطنطين زريق داعية العقلانيّة في الفكر العربيّ الحديث تتخصّص بالتاريخ، عبد الوهاب المسيري مؤسّس النظرة الجديدة الموسوعيّة الموضوعيّة والعلميّة للظاهرة اليهوديّة وتجربة الحداثة الغربيّة تخصّص باللغة الإنكليزيّة، عبد الرزاق السنهوريّ المساهم في تسطير الدساتير العربيّة تخصّص بالقانون، علي الورديّ رائد دراسة الشخصيّة الحضاريّة – البدويّة الّتي أصبحت منهجًا لدراسة الشخصيّة ببعدها الاجتماعيّ في الشرق الأوسط متخصّص بعلم الاجتماع، والقائمة لا تنتهي.
ولو ألقينا نظرة على المجالات الإبداعيّة الّتي حقّق فيها كثيرون نجاحات باهرة، ونالوا مكانة اجتماعيّة مميّزة، فضلًا عمّا أحدثوه من تأثير في حياة النّاس والمجتمع، لطال الكلام، ولنأخذ الإعلام والسينما والمسرح والفنون والآداب، وبقطع النّظر عن نظريّة التعليم لأجل سوق العمل (الّتي تحتاج نقاشًا في العمق، فالعلم للعلم مطلوب لا يجوز تجاهل ذلك، كما أنّ العلم للعمل مطلوب، كما أنّ العلم لتنمية الحياة اجتماعيًّا ومهنيًّا واقتصاديًّا مطلوب…)، فإنّ التخصّصات الإنسانيّة في جانبها الإبداعيّ لا تبتعد من تحقيق فرص عمل مهمّة للبارعين، وكيف إذًا ازدهرت الأعمال السينمائيّة والمسرحيّة والروائيّة، وكيف نجم المقدّمون الإعلاميّون والصحافيّون والفنّانون وأثّروا جميعًا في الإنسان والمجتمع؟
بالعودة إلى فرع الآداب والإنسانيّات الّذي يمضي في طريق الزوال، حيث المتقدّمون فيه إلى الامتحانات الرسميّة يتناقصون عامًا بعد عام، بسبب السياسات التربويّة الكارثيّة، وعلى سبيل التمثيل فإنّ المتقدّمين إلى فرع الآداب والإنسانيّات بين عامي 2004 و2009 كان كما يأتي (بحسب تقرير رسميّ صادر عن المركز التربويّ):
| 2004 | 2005 | 2006 | 2007 | 2008 | 2009 |
| 5199 | 4423 | 3949 | 3662 | 3138 | 2797 |
ومؤشّر التناقص واضح في الآداب والإنسانيّات وهو مستمرّ نسبيًّا إلى اليوم، في حين بلغت أعداد المتقدّمين إلى بقيّة الفروع في هذه السنوات ما معدّله: 19 ألف مرشّح إلى الاجتماع والاقتصاد، 5 آلاف في فرع العلوم العامّة، 13 ألف في فرع علوم الحياة، وكلّها في تزايد مطّرد نسبيًّا إلى اليوم، ما يعني أنّنا سائرون لا محالة إلى إلغاء فرع الآداب والإنسانيّات لعدم وجود متقدّمين إليه في حال استمرار النهج التربويّ هذا. وتصبح الإجابة عن سؤال بديهيّ، وهو لماذا يعرض الطلّاب عن فرع الآداب والإنسانيّات، ماثلة واضحة؛ فهو فرع “الفاشلين” أو الّذين لا يملكون عقولًا علميّة، أو الّذين سيحملون شهادة يخجل منها صاحبها! فكيف إذا استعرضنا المصائب المنهجيّة في المحتوى، والمنهج، وطرائق تدريس المواد في هذا الفرع؟ وبهذا الاستعراض يظهر بوضوح أنّ المشكلة كذلك تكمن في فهم طبيعة هذا الفرع وآليّات التعاطي معه تربويًّا، وهذا ما سنتناوله في مقالة آتية.

اترك تعليقاً