المكابرة، الغرور، العلاقة الإشكاليّة بين عالمي الإبداع والمال… المنافسة النزيهة وغير النزيهة، أهميّة التجديد والابتكار للاستمرار، بدايات الهواتف الذكيّة، النجاح الكبير ثمّ الفشل والانهيار… هذه العناوين وغيرها يناقشها فيلم Blackberry الّذي يعرض حاليًّا في كثير من دور السينما.
“القصّة الحقيقيّة للصعود النيزكيّ والانهيار الكارثيّ لأول هاتف ذكيّ في العالم”! بهذه العبارة يعرّف الموقع الرسميّ لفيلم الكوميديا دراما Comedy-drama الكنديّ المنتج في عام 2023 فيلمه المعنون بعنوان الهاتف الشهير: Blackberry والّذي يتناول قصّة النّجاح الكبير لشركة Research In Motion في ابتكار أوّل هاتف محمول يمكّن المستخدم من إرسال رسائل البريد الإلكترونيّ، في ميزة عدّت يومها بداية الاستعمال الذكيّ للهاتف الجوّال، كما من خلال دمج لوحة المفاتيح في الجهاز، والّتي تمكّنت لاحقًا شركة Apple من الاستغناء عنها من خلال دمجها في الشاشة الملموسة في منتج iPhone، في ابتكار نسب إليه النّجاح السّاحق، والقضاء على حلم Blackberry في السيطرة على السوق العالميّ. هل قدّم الفيلم فعلًا نظرة دقيقة لما حدث؟ وماذا عن نجاحه الفنّيّ؟ لنعرض بإيجاز رؤيتنا عن هذا الفيلم في السطور الآتية.
من الواضح أنّ أداء الممثّلين كان مرضيًا، ولا سيّما الأبطال الثلاثة محور القصّة:
- Jay Baruchel الّذي جسّد دور Mike Lazaridis المبتكر والانطوائيّ الحذر والخجول، والّذي تسبّب عناده ومكابرته في عدم أخذ تحدّي التطوير الآتي مع الـ iPhone إلى تسبّبه بخسائر فادحة للشركة.
- Glenn Howerton الّذي جسّد دور Jim Balsillie رجل الأعمال الطموح الّذي يعاني من كثرة الأغبياء حوله، والّذي طرد من عمله بسبب إصراره على تجاوز مديره، فوجد في فكرة الهاتف الجديد فرصة لقيادة شركة طموحة نحو النجاح، فغامر ونجح، قبل أن يقوده غروره وطمعه في الاستثمار في غير مجال إلى السقوط.
- Matt Johnson الّذي يؤدّي دور Doug شريك مايك المؤسّس، الشابّ الظريف، المحبّ والمُعلي من شأن العلاقات الإنسانيّة، وهو الوحيد الّذي جمع ثروة بعد أن قفز من السفينة الّتي توشك أن تغرق، بعد تخلّي صديقه عنه مختارًا الكسب على الجودة والإبداع، كما يوحي الفيلم.
جونسون Johnson نفسه هو مخرج الفيلم والمشارك في كتابة السيناريو، الّذي سار بسلاسة بطريقة تاريخيّة خطيّة تجمع في ما بين التوثيق الزمنيّ والحوار الّذي يطوّر الأحداث، مع الاستعانة بقليل من المشاهد الحقيقيّة (مثل: محاضرة ستيف جوبز Steven Paul Jobs عن إطلاق هاتف iPhone عام 2007).
من الطبيعيّ أنّ الحكم على دقّة المعروض في مجريات الأحداث يحتاج بحثًا معمّقًا، واطّلاعًا واسعًا على خبايا الشركات، ولا يمكن الوصول فيه إلى حكم نهائيّ، غير أنّنا نكتفي بما شاهدناه، وما نملكه من معطيات، بعضها عشناها في ذاك الزمان (ابتداء من عام 1994)، وبعضها من خلال آراء النقّاد. وفي مناسبة ذكر النقّاد فإنّ أمرًا لافتًا أن يعطي هؤلاء النقّاد تقييمًا عاليًا على أبرز موقعين عالميين للأفلام، فجاء تقييم النقّاد على IMDB 82 من مئة، وعلى Rotten Tomatoes 97 %، وهذه أرقام تحتاج تأمّلًا، ولا بأس من التشكيك في مدى دقّتها ولا سيّما في فيلم يتناول أعمالًا تجاريّة.
يحاول الفيلم أن يبرز iPhone بوصفه من قضى على Blackberry وهذا الحكم يحتاج تأمّلًا، وهو وإن كان عاملًا رئيسًا، إلا أنّ شركات مثل Nokia كانت ما تزال منافسًا قويًّا (بلغت نسبة استحواذ Blackberry حوالي 45 % من السوق في أوج نجاحها كما يعرض الفيلم). وفي كلّ الأحوال فإنّ ما جرى على Blackberry جرى نفسه على غيرها مثل Motorola وNokia، وللأسباب نفسها (الاسترخاء عند النجاح وعدم البحث عن تقنيّات جديدة) غير أنّ واقعيّة هؤلاء أعادتهم لاحقًا إلى السّوق.
ويحاول الفيلم الإلماح غير مرّة إلى تدنّي جودة الصناعة الصينيّة، وتحميلها مسؤوليّة ما في فشل Blackberry وانهيارها المدوّي، وهذا فيه تجنّ، فالصين يومها كانت تصنع غبّ الطلب وبحسب الميزانيّة المرصودة، كما بحسب شروط العميل في مواعيد التسليم، وهو تمامًا ما طلبه Mike للإسراع في إغراق السوق بأجهزة تسبق جهاز Jobs، وأمّا عبارة:Because they don’t care الّتي قالها Mike Lazaridis مبتكر Blackberry فقد أثبتت الأيّام خطأها، وحين اهتمّ الصينيّون وتفوّقوا بالجودة جاءتهم الضربات السياسيّة لتعيق تقدّمهم، والنموذج الواضح ما جرى لـ Huawei على يد الرئيس الأميركيّ السابق ترامب.
أحسن الفيلم عرض المخاطرات الماليّة غير المشروعة الّتي تسبّب بها Jim Balsillie بطمعه وتهوّره واعتداده بنفسه، مع غفلة Mike Lazaridis الذي تطوّرت شخصيّته ليصبح مهووسًا بالكسب الماليّ والنّجاح في السوق، وتكبّدت على إثره الشركة خسائر كارثيّة لم تنج منها، في ما يمكن عدّه نتيجة أكثر منه سببًا للانهيار الكبير.
تجدر الإشارة، أخيرًا، إلى أنّ الغرور والتسلّط على المستهلك، في سياسة تنتهجها Apple و Samsung في وقتنا الحاليّ ستقضي عليهما على الأغلب، عاجلًا أم آجلًا، ولا سيّما مع فشل حصار المنتجات الصينيّة عالية الجودة، ولا سيّما أنّنا يمكننا القول اليوم عن الصينيّين:They care a lot .
المراجع: