ليس كلّ من يزور معرض الكتاب يهوى القراءة! ولا همّه، بالضّرورة الثقافة، هذه حقيقة قديمة يؤكّدها انحدار الأيّام وتجلوها، اليوم، هيمنة التكنولوجيا!
حتّى بزنس معرض الكتاب، والشركاء المتنافرين المتعاونين، الّذي كنّا ننتقده، لجهة التكاليف العالية وغياب الدعم الحكوميّ، كما تقتضيه الحال في مثل هذا النوع من المعارض التي ينبغي أن تضع الثقافة في الأولويّة، والّذي إن وجد أفضى إلى تيسير اقتناء الكتاب على النّاس عامّة، ودعم النّاشرين في آن معًا، غيابًا رسميًّا مُعلنًا، ما خلا تقليد الافتتاح، غياب الدّولة هذا يحيله مجرّد معرض تجاريّ لبيع الكتب! لم يعد الكلام في ذلك مهمًّا، صارت الحال أدهى وأمرّ!
صار الكتاب هو الزائر، والزائرون صاروا هم المعرض!
بعض الزائرين يهوون التقاط الصور، وما أجملها صورًا بين الكتب، وما أجملها منشورة على الجدران الافتراضيّة، وبعضهم يوسّعون شبكات علاقاتهم العامّة، وعلاقاتهم الخاصّة إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا! مكانهم غالبًا في الكافيتيريا، بفنجان قهوة يمتدّ ارتشافه ساعات، ويغيظ صاحب الحقّ الحصريّ في تقديم الطعام والشراب… ما هكذا يكون البزنس! بعضهم يدور ويدور بين الأجنحة حتى يعثر على شخصيّة نافذة، يتوكّأ عليها ويهشّ بها على مجتمعه، ولعلّه يرى فيها عصا موسى فتكون له فيها مآرب أخرى! وذاك يبحث عن الجميلات ليوطّد معهنّ أواصر الثقافة ويدخل عالمهنّ من بنية علويّة تفضي كما يرجو إلى حيث يريد، والحسناوات أيضًا لم يعدن يكتفين بالجمال المجلوب بتطريةٍ كما قال أبو الطيّب، فالجميلة، في صورة مع المشاهير والمثقّفين، بل الجميلة كاتبةً أفضل منها جميلةً فحسب…
ولكنّ ظاهرة قديمة، تبلورت وازدهرت وانتشرت وصارت مرضًا معديًا: إنّها احتفالات توقيع الكتب!
وما أدراك ما توقيع الكتب! لقد صار اللبنانيّون كلّهم يكتبون، وينشرون، قضّهم وقضيضهم… صار الكلّ كاتبًا وشاعرًا وأديبًا وعالمًا ومفكّرًا، وليقال عنهم ذلك عليهم أن يعقدوا دعوات واحتفالات لتوقيع ثمار فكرهم؛ وهي في الحقيقة دعوة الآخرين، والآخرون صاروا كتّابًا مثلهم، إلى شراء كتبهم، باغتنام فرصة وجود الكاتب، والفوز بتوقيعه على الصفحة الأولى…
ولكن ماذا يكتبون؟ ولماذا يكتبون؟ وكيف يكتبون؟ ولمن يكتبون؟ لا يهمّ، فلا أحد، تقريبًا، يقرأ! احتفال توقيع الكتب، غالبًا، هو اجتماع الخلّان، والمعارف والأعيان، والتقاط الصّور، ثمّ نشرها، والنشوة بعدها! المصيبة أنّ العدوى طالت المشتغلين بالشّأن العامّ… نائب، وزير، سياسيّ، إعلاميّ… جاء بصدفة أو احتلّ موقعًا في بلد تُنال فيه المناصب بالمكاسب، هؤلاء كذلك صاروا كتّابًا: ومريدوهم على طريقهم، والطريق تبدأ بشراء كتاب موقّع، لهدفٍ متوقّع!
كلّما زرت المعرض، بحثًا عن كتب ذات قيمة، غير متوافرة رقميًّا، وتستحقّ كلّ دولار ينفق عليها، أحاول التخفّي… محتاطًا من دعوة توقيع لا أريد الوقوع في إحراجها، وحرد صاحبها، أتسلّل إلى دور نشر رصينة تنشر ما يستحقّ النّشر… ولكنّني كالسمكة التي تظنّ أنّها إذا سبحت في الأعماق تنجو من صنّارة الصيّادين… هيهات! صار للصيّادين شباك ضيّقة الفتحات توقعك كما وقعت الحمامة المطوّقة في حبائل الصيّاد عند كليلة ودمنة… غير أنّ العالقين معي في الشباك لا يتعاونون على التحليق بعيدًا والنّجاة… فأقع ويقعون، راضين ومستحين، في الفخّ المحتوم: اشتر الكتاب، احظ بتوقيع الكاتب، ابتسم لصورة معه، ثمّ افعل ما تشاء!
كلّما أقيم معرض الكتاب، وحدّقت في المنشورات، معظمها، أتذكّر عبارة دونو: لقد حُسم الأمر، ونال التافهون السلطة! وأتذكّر مارون عبّود: الشّجر تتّهم البشر! لهفي على الأشجار التي قطعت، والموارد التي أهدرت، والأحبار التي سالت… ثمّ صارت كتبًا، غثّها أكثر من سمينها، وصمتها، لو كان، أبلغ ممّا فيها: كلام وكلام وكلام… أمّا الأدب، والعلوم، والثقافة، والمعرفة… فبينها وبين المعرض مسافات ضوئيّة، وجدال وخصام، وكتب رصينة حقيقيّة، تصرخ كما صرخ المفجوعون بالعمق والمعرفة والتفكير والنقد، وصدى وجعهم يتردّد في كلّ أروقة المعرض، ويحضر في الصور الملتقطة للزائرين، وجلّهم صاروا كتّابًا، ويختبئ في الصفحات الفارغة، فيستحيل مسحوق همسٍ: لقد حلّت الأنشطة الثقافيّة محلّ الثقافة!
لا يساورني شكّ في أنّ بعض المثقّفين يزورون المعرض احتفاء بالثقافة، وبعضهم لمونة من الكتب القيّمة، كُتبت لهم وكتبوا لها، وأنّ السّاحة لا تخلو من كتّاب وباحثين وأدباء وشعراء يطابق نتاجهم وصفهم، وهم جديرون بألقابهم، غير أنّ هؤلاء قلّة ضائعون في نظام سمّاه آلان دونو، وبحقّ، نظامًا، لا ظاهرة فحسب، للتفاهة، منشورة، بفضل التكنولوجيا، على مساحة الكوكب. شكرًا لتكنولوجيا الصّورة والنّشر السّريع: ومعذرة دونو، ظنّنا، في عام 2015 أنّك تبالغ، فإذا أنت، ونحن في عام 2026، مقصّر: الحال أدهى وأمرّ.