كنت يافعًا أنتظر بشغف العاشق انطلاقة معرض الكتاب، ينظّمه النادي الثقافيّ العربيّ في القاعة الزجاجيّة في وزارة السياحة في الحمراء… كان وقتها معرض بيروت العربيّ للكتاب! الوزارة تدعم الثقافة، فتقدّم صالة لا تحمّل الناشر عبئًا ماديًّا، فيحسم من أسعار الكتب لمصلحة القارئ، تقام ندوات جادّة، تنمو أجيال واعية…

       وجاءتنا وعود الحرير والحداثة الجديدة الّتي ترى إلى الازدهار سوقًا لكلّ شيء فيه ثمن… والتحق بركبها زعماء الحرب وشيوخ القبائل، وقالوا لنا: إليكم دولة! ثقافة؟ دعكم منها، هي صورة جذّابة فحسب… ولبنان وسيط، سمسار، ملهى… واللبنانيّ حاذق يعرف فنون التسويق، ولا سلعة تدرّ أكثر من الجمال… والجمال موجود: لقد أمّنت حداثة الحرير وظائف لآلاف الشباب، كما قال لي علي عسيران، نائب المنظر، ذات عزاء، مدافعًا عن منجزات رفيقه، وأردفت: وآلاف الشابّات! لم يفهم، أو فهم وسكت، لا يهمّ، هنيئًا!

       صار لكلّ شيء ثمن، والثمن هو القيمة، وصرت أكدح -ومن مثلي معي- لتأمين حياة بشرف، وحولي يرفلون بحداثة الحرير، فاغتنى من اغتنى، لصيقًا بشيخ قبيلة، أو تاجر نخاسة، أو مضاربًا في عقار، أو لاعب ميسر سمّوه ازدهارًا مصرفيًّا… أو قوّادًا برتبة مسؤول رسميّ أو حتّى نادل مطعم يبشّ للسائح بعباءة، ويعبس بوجه لبنانيّ ليس مكانه وسط العاصمة حيث سوليدير واجهة لبنان المبتسم للمستقبل! واختفى شيئًا فشيئًا الحرفيّون، والمزارعون، والعاملون، والإعلاميّون الجادّون، والمثقّفون للحياة، والمتعمّقون فكرًا وفنونًا وأدبًا وعلومًا… وصار اللبنانيّ “الفارغ” يشتم عاملًا مصريًّا أو سوريًّا مجازًا في الفنون أو حامل شهادة عليا، لأنّه تأخّر في وضع جمرة على أركيلة ينفث ابن فينيق دخانها بزهو جنرال منتصر على الهباء. وصارت سيّدة منزل كانت فلّاحة قبل أن تترفّع عن تلك “الوضاعة” لتركب “رانج” السنة، تشتم عاملة “أجنبيّة” تحمل إجازة في علم النّفس لأنّها نامت -في حمّام أو غرفة ضيّقة كمعتقل- منهكة قبل منتصف الليل، والسيّدة ما زالت ساهرة مع جارتها تريد تجديد “الكوفي مايت”! إنّه الفراغ زحف، والتصحّر ساد… وبدأ الانهيار يومها، وليس يومنا، دمارًا لكلّ شيء ذي قيمة حقيقيّة، علمًا أو أدبًا أو فنًّا أصيلًا أو اختراعًا لحياة أسمى… مقابل كلّ ما له قيمة في السّوق، والسوق سوق سائح معطّر بالنفط، أجوف إلا من دولارات تمطر… وظلّت تمطر وتمطر… حتّى انقطع المطر! هل انتبهنا أنّ اللبنانيّ -ليس كلّ لبنانيّ، أرجوكم- كان صورة مصنوعة بفوتوشوب ليس فيها من الحقيقة سوى مظهر خادع؟ ثيابًا أوروبيّة فاخرة وعطورًا موقّعة، ورأسًا جاهليًّا… معذرة أيّها الأدب الجاهليّ!

       وكيف يبقى معرض الكتاب خارج السوق؟ فكانت السين سين (في السياسة معروفة، وأمّا سلوى وسميرة: فتعرفون القصّة؛ تعرفونها؟)، وصار يقام المعرض -احتكارًا- في أغلى صالة في لبنان: البيال… واتّحد العربيّ مع الدوليّ فصار معرض بيروت العربيّ الدوليّ، ولم يعد مهمًّا أن تُدعم الثقافة، أو أن يلائم سعر الكتاب راتب القارئ العاديّ، أو المتخصّص الجادّ، المهمّ أن نبقى في الصورة لبنان الثقافة، وكانت الأرقام القياسيّة: الشيف فلان، وأبراج فلانة، وشويعر في مهبّ النساء!!! هذه ثقافة تلائم طريق الحرير والحداثة الجديدة للبنان الملهى… كنت أذرع المعرض “العربيّ الدوليّ” أبكي حسرة على كتاب لا أستطيع شراءه، وكانت القنوات -قناة المنار مثلًا، تخيّلوا- تطبّل لثقافة البيال، ثقافة السوق، ثقافة (س + س)، ومَن خلفهما: المجلس الأعلى لقيادة سفينة نوح، نحو الارتطام الكبير، بأصول الأنواع عليها، ونحن الراكبون لا حول ولا قوّة، رغم أنوفنا، لحفظ النوع ليس إلا!

       هذه السنة كانت الأسعد لي، ذرعت المعرض، متشفيًّا، أغبط نفسي على مشهد كنت أراه آتيًا، وأتى… ما زال الروّاد أنفسهم تقريبًا، ولو بوجوه مختلفة، وغاب الفقراء فحسب، غاب القرّاء الجادّون، وهم كانوا زوّارًا أكثر منهم مشاركين فاعلين أو شارين ما يحتاجون… وبقيت المومياوات، وبقي الرافلون بمطر الدولارات، يبحثون عن صورة مع مشهور هنا وزعيم قبيلة هناك، أو “مسقّف” يوقّع بعض سخفه… ذرعت المعرض وانتشيت: هنا قاض يوقّع سيرته، حوله وجوه البلد الشائعة، سياسيّون ومن كلّ الأجناس، وأنا ما حاجتي إلى قراءة سيرته؟ أوليس انهيارنا الأخلاقيّ وفسادنا الذي به نزهو بعض سيرته ورفاقه؟ هناك نائب “مصادفة” قرّر الالتحاق بركب الأدباء: يوقّع وريقات لا تساوي حبرها، يرتقي بها في حزبه الذي لا يقرأ إلا نفسه، وحوله جماهير تنتظر دورها لصورة معه… صوّرتُ المشهد لأطيل أساي اللذيذ، وسارعت لشراء نسخة ثانية من كتاب “الهمجيّة” لميشيل هنري! التقيت وزيرًا، اقتحمت نشوته بين العاديّين لأشكو حالًا تخصّ أبناء وطني، فلم يعرني اهتمامًا ولم يجب بشيء… هو مشغول لا وقت لديه لشؤون وزارته والنّاس… ثمّ رأيته يطيل الوقوف مع حسناء، أو سياسيّ من شاكلته… هذا رئيس حكومة لا يحتاج قاضيًا يدينه، فكلّ شيء في الوجود يدينه، يمشي مطمئنًّا بين أجنحة الكتب، ولا أحد يسأله ماذا فعلت بنا؟ معذرة فيروز، الغضب الساطع لن يأتي، وأنا نسيت أنّ الثورة انتهت… كانت سَورة! الآن سارعت لشراء نسخة ثالثة من كتاب شيبولا: القوانين الأساسيّة للغباء البشريّ!

       ظواهر معرض الانهيار الكبير كثيرة… رأيت المصلّى، نعم هناك مصلّى، يتّسع لأربعة أشخاص! المساحة ضيّقة وغالية في سوليدير… وما حاجتنا إلى الصلاة؟ إنّه السّوق والوقت وقت العمل! ألغيت مقاعد الكافتيريا، اشتر وارحل! ومتى كنت أشتري والأسعار مضروبة بخمسة؟ كنت أرحل فحسب… مساحة المعرض -قدّرت- ربع المساحة قبل الانهيار، غابت الدور الأجنبيّة الرصينة، ومن لا يضمن الربح من الدور المحليّة لا يأتي… ولكن لا فرق… لا فرق! ما زالت الحسناوات بطلات المشهد، من تمكّنت من جمع هراء في كتاب توقّع لأصدقائها ومعجبيها، ومن لم تتمكّن تأبّطت كتف “حداثيّ” لتثبت اتّصالها بثقافة الصورة… ومن خلت من تلك الميزتين لبست أقلّ ما وجدت وتمشّت كعارضة على سجّاد أزرق عسى يلمّها عاشق في الإطار… وأمّا الندوات، فما كنت أحضر كثيرًا منها، واليوم قرّرت الحضور: مستقبل اللغة العربيّة بيد إعلاميّ لا يجيد القراءة، والرواية العربيّة تعرض لها حسناء “بمقدّمة” بارزة! بحثت عن ندوة تناقش انهيارنا على صعده المختلفة، ولم أحظ بها، فكان المعرض هو الندوة… وما عليك سوى قليل تأمّل. اشتريت نسخة رابعة من كتاب “نظام التفاهة” لآلان دونو، ثمّ غادرت مسرورًا.   

اكتشاف المزيد من موقع محمّد ماجد

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة